حين وقف دون كيشوت أمام طواحين الهواء و ترآئت له كأنها شياطين بأذرع مرعبة ماذا كان يدور في عقله ؟
كم من الأراضي تم غزوها بحجج واهية لا يقبلها عقل كمبرر لملايين القتلى ؟!!
تدخل الأنثى إلى مكان ما فتنظر حولها لتنتقي عدوتها المستقبلية لتخلق نزاعاً لا أساس لوجوده. هي سنة الحياة إذاً !! هل عشنا حياتنا نخلق صراعات في عقولنا لا وجود لها على أرض الواقع ؟ ... إن عقولنا من القوة أن تخلق عالم وهمي من البطولات و الصراعات التي لا أساس لها. في رأيي أن السبب هو الإفتقار لهدف واضح في الحياة و كطريقة للدفاع ضد وحش الفراغ و إفتقار الإنجاز يصنع العقل لنفسه أهداف و طموحات و صراعات و إنجازات وهمية و من يستسلم لذلك الوهم يغرق في التيه الأبدي.
إن عقولنا مكان مريح للعيش فيه تتكيف لحالتنا المزاجية و تحاول أن تغذي مشاعر على حساب مشاعر أخرى و ذلك لهدف واحد فقط هو الحفاظ على الرغبة في المضي قدما في تلك الحياة. كثيرون رأوا أن طريق النجاح يبدأ بتأخير المنافسين لتحقيق نصراً سهلاً، يخلق العقل العدو ليُوجد دافع أسهل للوصول إلى الهدف دون جهد أو جهاد للنفس، دون إختراق لحواجز القدرات، دون محاولة للوصول إلى قمة الإمكانات البشرية. من يحالفه الحظ فيخرج من تلك الدائرة الوهمية سيفتح باب لقدرات بشرية لا متناهية، سيرى عالم أخر، عالم لا حاجة لك فيه لعدو لتشعر برغبة في المنافسة و إثبات قوتك. ستتبدل طاقة الكره داخلك إلى طاقة محبة، سيتحول عالمك إلى عالم بلا كراهية أو حقد أو صراع، ستتمنى أن ترى أقصى ما يمكن أن يقدمه الإنسان، ستتضافر جهودك و من حولك من أجل خدمة إخوتكم و عالمكم.
لا أظن أن هذا طرح منطقى في عالم يسوده اللون الأحمر و تنهمر فيه الدموع كالبحار و لا يجد فيه الوليد المأكل و المسكن. لكنه المنطق الذي غذى عقول الكثير من المبدعين فعاشوا دعاة لحلم يراه الكثيرون مستحيل، فحاربوا القتل بالغناء و واجهوا الكره بالمحبة، صنعوا أفلام و كتبوا روايات، سافروا لشتى بقاع الأرض ليخففوا عن المحتاجين، شعروا بمعاناة العالم و أستمدوا قوتهم من مد يد العون للضعيف ... كسروا حواجز العقل ... ليصلوا إلى عالم الحلم.

